السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

103

مختصر الميزان في تفسير القرآن

بعد : « إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى » وقد فسّر في الروايات أيضا بأنها شجرة فوق السماء السابعة إليها تنتهي أعمال بني آدم وستمر ببعض هذه الروايات . وقوله : عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى أي الجنة التي يأوي اليه المؤمنون وهي جنة الآخرة فإن جنة البرزخ جنة معجلة محدودة بالبعث ، قال تعالى : فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( السجدة / 19 ) ، وقوله : فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى - إلى أن قال - فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى ( النازعات / 41 ) وهي في السماء على ما يدل عليه قوله تعالى : وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ ( الذاريات / 22 ) ، وقيل : المراد بها جنة البرزخ . وقوله : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى غشيان الشيء الإحاطة به ، و « ما » موصولة ، والمعنى : إذ يحيط بالسدرة ما يحيط بها ، وقد أبهم تعالى هذا الذي يغشى السدرة ولم يبين ما هو كما تقدمت الإشارة اليه . قوله تعالى : ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى الزيغ الميل عن الاستقامة ، والطغيان تجاوز الحد في العمل ، وزيغ البصر إدراكه المبصر على غير ما هو عليه ، وطغيانه إدراكه ما لا حقيقة له ، والمراد بالبصر بصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . والمعنى : أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لم يبصر ما أبصره على غير صفته الحقيقية ولا أبصر ما لا حقيقة له بل أبصر غير خاطئ في إبصاره . والمراد بالإبصار رؤيته صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقلبه لا بجارحة العين فإن المراد بهذا الإبصار ما يعنيه بقوله : « وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى » المشير إلى مماثلة هذه الرؤية لرؤية النزلة الأولى التي يشير إليها بقوله : « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى أَ فَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى » فافهم ولا تغفل . قوله تعالى : لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى « مِنْ » للتبعيض ، والمعنى : أقسم لقد شاهد بعض الآيات الكبرى لربه ، وبذلك تمّ مشاهدة ربه بقلبه فإن مشاهدته تعالى بالقلب إنما هي بمشاهدة آياته بما هي آياته فإن الآية بما هي آية لا تحكي إلّا ذا الآية ولا تحكي